ابن عربي

58

فصوص الحكم

ومن سوء الحظ أنه يلجأ في توضيح العلاقة بين الحق والخلق أو بين الوحدة والكثرة إلى التمثيل بالسريان والتخلل والتغذية وما إلى ذلك ، لأن مثل هذه التشبيهات الساذجة تشعر بالمادية أو الجسمية كما تشعر بالاثنينية : اثنينية المتخلِّل والمتخلَّل ، وليس في حقيقة الأمر في مذهبه مادية ولا اثنينية . دعونا إذن من تشبيهه الذات المتخللة لجميع صور الموجودات باللون الذي يتخلل الجسم الملون ، وتشبيهه تلك الذات أيضاً بالماء الذي يتخلل الصوفة ، فإن هذه التشبيهات وأمثالها ليست سوى وسائل محسوسة وساذجة لإيضاح شيء هو في نفسه غير محسوس وغير ساذج . الحق والخلق في نظره وجهان للحقيقة المطلقة : فكل تمييز بينهما لا بدّ أن يعد في نهاية الأمر تمييزاً اعتبارياً . وليس في مذهبه ما يسمح بالقول بالاثنينية اللهم إلا اثنينية الصفات : أي الصفات التي يتميز بها الحق عن الخلق والأخرى التي يتميز بها الخلق عن الحق . ولكن هذا المعنى لا ينطبق على اللون والمتلون اللذين يذكرهما . يقول : إن اللون يتخلل المتلون فيكون العرض بحيث يكون الجوهر ، كذلك الحق يتخلل صور الموجودات . وهذا تشبيه قاصر ومضلل : إذ اللون شيء غير المتلون ، والحق - في نظره - ليس سوى الخلق ، وإذ اللون عرض والمتلون جوهر ، والحق لا يمكن وصفه بأنه عرض . ويزداد الأمر حرجاً وتعقيداً عندما نراه يقول إن كلًا من الحق والخلق يتخلل الآخر أو يغذيه ، وهو قول يشعر بالحلول . ولكن لا محل للحلول في مذهبه . فيجب إذن أن نفهم هذه الأقاويل وأمثالها على أنها عبارات مجازية قصد بها تفسير أمر تعجز الألفاظ عن التعبير عنه ولا يقوى على إدراكه إلا الذوق الصوفي وحده ، إذ الذوق الصوفي هو الذي يدرك سريان « الواحد » الحق في الكثرة الوجودية وتقويمه إياها كما يدرك كمال ذلك « الواحد » في مظاهر أسمائه وصفاته . ( 2 ) « ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات . . . حق للحق ؟ »